محمد حسين الذهبي
397
التفسير والمفسرون
يقول ( « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم فيما دلهم إلى اللّه بإذنه . « قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ » أي جاهدوا كفار النفس وصفاتها بمخالفة هواها صفاتها ، وتبديل وحملها على طاعة اللّه ، والمجاهدة في سبيله ، فإنها تحجبك عن اللّه « وليجدوا فيكم غلظة » أي عزيمة صادقة في فنائها بترك شهواتها ولذاتها ومستحسناتها ، ومنازعتها في هواها ، وحملها على المتابعة في طلب الحق « واعلموا أن اللّه مع المتقين » بجذبة الوصول ، ليتقوا به عما سواه ، كما يتقى المرء بترسه عن النشاب ، والرمح والسيف ) « 1 » . وفي سورة يوسف عند قوله تعالى في الآيتين ( 30 و 31 ) « وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » يقول : ( يشير بالنسوة إلى صفات البشرية النفسانية من البهيمية ، والسبعية ، والشيطانية في مدينة الجسد « امرأة العزيز » وهي الدنيا « تراود فتاها عن نفسه » تطالب عبدها وهو القلب . كان عبدا في البداية لحاجته إليها للتربية . فلما كمل القلب وصفا عن دنس البشرية استأهل المنظر الإلهي ، فتجلى له الرب تبارك وتعالى فتنور القلب بنور جماله وجلاله ، فأحتاج إليه كل شئ ، وسجد له حتى الدنيا « قد شغفها حبا » أي أحبته الدنيا غاية الحب ، لما ترى عليه آثار جمال الحق . ولما لم يكن لنسوة صفات البشرية اطلاع على جمال يوسف القلب ، كن يلمن الدنيا على محبته ، فقلن « إنا لنراها في ضلال مبين » « فلما سمعت » زليخا الدنيا « بمكرهن » في ملامتها « أرسلت إليهن » أي الصفات « وأعدت لهن متكئا » أي هيأت طعمة مناسبة لكل صفة منها « وآتت كل وحدة منهن سكينا » وهو سكين الذكر « وقالت ، زليخا الدنيا ليوسف القلب « اخرج عليهن ، وهو إشارة إلى غلبة أحوال القلب على صفات البشرية « فلما رأينه » أي وقعن على جماله وكماله
--> ( 1 ) . 2 ج 2 .